قـنــطـــرة بـنـكـيــران

q

الدامون عبد الله – damounus@yahoo.com

عندما كانت الانتخابات البرلمانية في المغرب على وشك الانطلاق في نونبر 2011، تجمع «رهط» من الأحزاب وأطلق على نفسه اسم «مجموعة الثمانية»، تيمنا باسم شهير لبلدان أوربية تحمل نفس الاسم، لكن شتان ما بين التجمعيـْن، فمجموعة الثمانية الأوربية تكتل اقتصادي رهيب يحكم العالم، وتجمع الثمانية المغربي تجمع انتخابي عجيب لا يحكم حتى نفسه.

الذين خلقوا ذلك التجمع الانتخابي المغربي خلطوا في قصعة واحدة الكسكس بزيت العود وصيْكوك والبيصارة وعصير عرق السوس والما القاطع والدقيق والشحم والسكر وسم الفئران وهلم خلطا؛ أما الهدف المعلن من وراء ذلك فهو خلق قطب انتخابي من أجل قيادة حكومة ليست كسابقاتها، مادام الربيع العربي كان يقطف رؤوس الحكام واحدا تلو آخر، وأما الهدف غير المعلن فهو خلق تحالف يقف في وجه الإسلاميين، وبالضبط الإسلاميين الذين يرضون بقواعد اللعبة ويشاركون في الانتخابات، أي حزب العدالة والتنمية لا أقل ولا أكثر.

مجموعة الثمانية، أو «جي 8»، كما اصطلح على تسميتها، ضمت أحزابا معروفة وأخرى لم يسمع بها أحد، وزعماؤها كانوا خليطا من اللاعبين السابقين والأزواج السابقين، غير أن أبرز من كان بها هو حزب الأصالة والمعاصرة، لصاحبه فؤاد عالي الهمة، الرجل الخفي والقوي في هذا الحزب وقتذاك، وصلاح الدين مزوار الذي كان يوصف بكونه الوجه الآخر من عملة «البام». وهذا التحالف (تحالف الثمانية) كان يريد الوقوف في وجه الإسلاميين أو، على الأصح، الإسلاميين المشاركين في اللعبة، لعبة الديمقراطية.

في تلك الأيام، بدت فرقة «جي 8» وكأنها ولدت لكي تكون العدو الأبدي لحزب العدالة والتنمية، وكل منهما قال في الآخر ما لم يقله بوش في صدام.

بعد كل هذا، صار الرجلان مثل الماء والزيت، لا يمكن أن يختلطا حتى ولو بعد ألف سنة، لا في الكأس ولا في قعر الخابية، لا في الحكومة ولا في المعارضة، خصوصا عندما صرح زعماء أحزاب الثمانية بأن تحالفها نهائي ولا رجعة فيه، ونسوا أو تناسوا أن الموت وحده هو النهائي الذي لا رجعة فيه.

مرت الانتخابات سريعا كما لو أنها أول انتخابات في المغرب، وبدا كأن الجميع متفق على أن تكون مختلفة هذه المرة، أي أن المقدمين والشيوخ والقياد والسماسرة لن يتدخلوا فيها وسيتركونها حرة ونزيهة. ولكي تكون النزاهة فاقعة، فإن رجال سلطة لم يكونوا يترددون في تشجيع الناس على التصويت لفائدة حزب بنكيران، لأن نتيجة غير تلك يمكن أن تدخل المغرب في دوامة النموذج التونسي والمصري والليبي. تصوروا، مثلا، وفي عز العاصفة التي تحرق رؤوس الأنظمة، لو أن حزبا تقليديا أو إداريا مغربيا هو الذي فاز في الانتخابات، إذن لكان الربيع العربي قد ركب، بكل تأكيد، أول طائرة ونزل في مدننا دون إذن من أحد.

في النهاية، كان ما شاء الذين يديرون الأمور من وراء ستار، وفاز حزب العدالة والتنمية وتجنب المغرب ربيعا داميا وصار أول بلد عربي يمر بسلام من «صراط الربيع»، ولو إلى حين.

منذ أول لحظة لما بعد الانتخابات، تحول «تجمع الثمانية» إلى «تجمع نفسي نفسي»، وكان أول من قفز منه هو حزب الحركة الشعبية، الذي قفز نحو حكومة بنكيران كما لو أنه قـِط يقفز من سفينة تغرق، ثم تشتت الباقون كأن ريحا صرصرا عاتية ضربتهم، ولم يبق من تجمع الثمانية سوى تلك الصور التي تؤرخ للذكريات البعيدة.

اليوم، أدرك بنكيران أنه كان مجرد قنطرة عبور، تماما كما كان قبله آخرون، أمثال عبد الله إبراهيم أو عبد الرحيم بوعبيد أو عبد الرحمن اليوسفي أو غيرهم، لذلك لا مشكلة لديه في أن يتحالف مع مزوار أو غيره، فحكومته، في البداية والنهاية، كان يجب أن تسمى «قنطرة بنكيران»، والقنطرة لا تملك من أمرها شيئا، فالآخرون يهندسونها ويبنونها أو يهدمونها، بينما هي تتحمل عبور الأثقال فوقها بصبر وجلد.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)