وصلة مقتطفة من حياة متسولي المقابر

gg

نوال قاسمي 

… ‚لا تشبع بطونهم أو تمتلئ أعينهم…أعين فارغة… لا يملؤها سوى التراب …‘

الساعة تشير إلى الثامنة صباحا… الوجهة مقبرة ‚الغفران’، حيث ضرب لنا القدر موعدا… لنجالس فيه سكان القبر وجيرانهم…

لا تطأ رجلك المقبرة إلا بعد عناء كبير… بل بمشقة الأنفس، نظرا للازدحام الكبير الذي تعرفه الطرقات  المؤدية إليها. كما أن جوانب وحواشي المقبرة تعرف تغطية أمنية مكثفة، تم استقطابها خصيصا لأيام زيارة كهذه، حيث تحولت هذه الأخيرة إلى محج يستقطب حشودا وأفواجا طيلة اليوم. تكاد لا تنقطع أرجل الزوار إلا مع غروب الشمس، لتبدأ الزيارة مع إشراق شمس كل صباح.

نسيج إنساني غريب امتزج فيه المتسول بالزائر اللص بالتاجر… فسيفساء خلقت رواجا كبيرا حيث بدت المقبرة ممتلئة على آخرها. تكاد تجزم أنها سوق نموذجي، لبيع أي شيء… المهم هي المردودية أو الدخل… وإن لم تستطع شيئا… فاصنع من جسدك لوحة بؤس تجسد مظاهر الفقر المدقع… وأكيد ستجني الدراهم…

 متسولون وشحاذون وضعفاء… نخر فيروس الفقر كيانهم، عضامهم مسوسة… بطونهم فارغة… وأفواههم مفتوحة. الجوع أعمى بصيرتهم، وجعلهم يلهثون بلهفة شديدة وشوق كبير لجمع الدراهم. يسرقون اللقمة من أفواه بعضهم البعض…، لكن لا تشبع بطونهم أو تمتلئ أعينهم الفارغة…أعين لا يملؤها سوى التراب… سكن غرام الجوع أجسادهم وعشقها… حيث غدت نقم القدر أقرب إليهم من نعم الحياة…

متسولون محترفين…تشربوا أصول المهنة مند نعومة أظافرهم. إذ جعل بعضهم من جسد معلول تسكنه كل الأمراض الاجتماعية… بضاعة معروضة لعيون المارة، وذلك في استعراض مؤلم لشتى العلل والإعاقات الجسدية… لعلها تؤثر في نفوس الزوار وتستجدي شفقتهم…، فيغدقون عليه بضعة دراهم… قد لا تغني من عطش أو تسمن من جوع…، أمام ما يعانيه من عوز وإهمال… لا يستفيدون من أية امتيازات اجتماعية أو غيرها…، أغلبهم لا يتوفر على ‚البطاقة الوطنية‘ وغيرها من عقود على سبيل المثل ‚عقد الزوجية’، ولم يسمعوا عن شيء يحمل اسم ‚بطاقة الناخب’…، وإن توفرت لديهم بطاقة إثبات الهوية فيكون ذلك بمحض الصدفة. لا يعلمون شيئا عن نظام التغطية الصحية ‚الرميد‘ ولا هم يحزنون…

سألتها عن حالها قالت: „راكي تشوفي دابه يا أختي راه شويا… طلي علينا في الشتا وتشوفي…“ ‚نحن على هذه الهيأة شبه عراة حفاة بملابس كلها رقع… يجافينا النوم من كثرة ألم الجوع الذي يمزق بطوننا…، وإن حدث ونمنا… فننام منحشرين بعضنا ببعض من قلة الغطاء… كي لا نحس بلسعات البرد القارس…‘ أما رفيقتها الجالسة بجانبها، فقد كانت امرأة عجوز طاعنة في السن، مقعدة لا تملك كرسيا متحركا يواسي شللها، كانت خيمة بلا أوتاد، أرضا قاحلة بلا مال ولا رجل ولا أولاد… لا سند لها بحياة كشرت عن أنيابها… ‚، قالت وكلها أسف بعبارة مؤثرة لازالت إلى الآن ترن في أذني:“قلة الشي كترشي أ بنتي…وزمان غدار“.

وجوه متهجمة تملؤها الحصرة…، وعيون منكسرة أكل منها التعب وشرب… قلوب جافة شبيهة بأرضية قاحلة، تعودت على الأسى والشقاء… تجاور الموتى في الحياة، تسكن لهم…، وتبث في صدورهم ألمها. الفقر جعلهم يعتزلون الدنيا، يعيشون منغلقين عن أنفسهم…، في عالم لم تصنعه أيديهم…، عالم توارثوا فيه البؤس والعوز… إنه عالم خاص بهم…، استأنسوا به…، ووجدوا فيه ضالتهم…

تكاد تجزم أن هذه الفئة المهشمة والمنفصلة تماما عن العالم الخارجي…، عن هموم المواطن العادي… لا تعرف شيئا سوى العنف ومنطق الغاب، القوي يأكل الضعيف…ومفهوم السلطة في منظورها، ينحصر في قوة الجسد والعضلات. يعيشون بعيدين كل البعد عن مجتمعنا…، عن خريطة المغرب…، عن الحكومة والسياسة… لا يعرفون شيئا عن الحكومة أو رئيسها ‚بن كيران‘ كذلك ‚بسيمة الحقاوي‘ …، ولم يسبق لحكومة أن تضامنت معهم… لا يعرفون شيئا عن كنف الأسرة، ويجهلون مفهوم التنمية الاجتماعية… بل إن كل ما يعنيهم هو ملأ بطونهم الفارغة بكسرة خبز وجرعة ماء، كذلك ملأ جيوبهم ببضعة دراهم… على أمل أن لا يسلبها منهم أقواهم جسدا…

تضيق نفسك… وتحس بالاشمئزاز لرؤية الألم الإنساني… وأنت تتنقل في أروقة المقبرة…لكن سرعان ما تألف المشهد وتعتاد على رؤيته… كاستئناس العالم العربي برؤية مشاهد العنف والتقتيل بإخوانهم في سوريا فلسطين ومصر…

عجيب أمر مغرب التناقضات والمفارقات… هنا تجتمع كل الأضداد… يلتقي الأغنياء بالفقراء، هنا أقرب طريق للحزن…،هنا نهاية رجال طغاة وأشداء…،هنا معقل النحيب والبكاء والنواح والرثاء…

أينما وجدنا تسود الطبقية والفوارق الاجتماعية… إنها شكليات من صنع الإنسان… بل مظاهر غدت لصيقة به في حياته… وتوارثها حتى بعد الممات.

 إن القبور بدورها تعاني من الفوارق الاجتماعية… فهذا قبر بسيط بني من حجر لرجل فقير، أديع هنا بالمقبرة صدفة. يبدوا أن شاهده وأحجاره الجنائزية تآكلت، كما أن كتابة الشاهد بهت لونها وانمحت، ليصبح القبر بذلك مجهول الهوية. وذاك قبر لرجل من الأعيان، شيد بناؤه من رخام ووضعت به نصب تذكارية. كتبت على شاهد القبر والأحجار الجنائزية رثاء منقوش وبعض السور القرآنية ‚سورة الفاتحة’… مرفقة ب’إنا لله وأنا إليه راجعون’… فهذا قبر تسكنه روح، وهذا قبر آخر فارغ في انتظار أن تسكنه روح أخرى…

وقد لا تختلف عدة وعتاد زيارة القبر، فالكل يسير على نهج أسلافه وذلك حسب ووفق العرف والتقاليد الشعبية التي تناقلتها الأجيال. فهناك ما يتصدق به الحي على روح الميت، بدءا من المال إلى ‚الخبز الشريحة الثمر،…‘ وما إلى ذلك من بدع يتم حملها لزيارة القبر من ‚ماء الزهر ذوا رائحة طيبة يسقى به القبر، إضافة إلى زرع النبات فوق بعض القبور…‘

تتجه  لزيارة القبر… عند الرواق المؤدي للقبور تجد حشدا كبيرا من المتسولين، بعضهم يجلس على الأرضية المؤدية للقبور، والبعض الآخر من كثرة التعب خرت قواه فاستلقى على نفس الأرضية. سرعان ما يشتمون رائحة الدراهم تفوح من جيوب الزوار، فيهرعون بلهفة ليتحلقوا حولهم… يتمسحون بأرجلهم… يناشدونهم… أما فريق آخر من الشباب البئيس، فيهتم بتنظيف القبر وإعادة طلائه بالصباغة كذلك سقيه وزرع النبات الأخضر فوق أرضيته…

ولا يمكن المرور على زيارة المقابر دون الوقوف عند بعض بائعي وتجار كلام الله، فقهاء أو بعبارة أدق „الطلبة“ يجوبون أقطاب وأروقة المقبرة، يسألون الزوار قائلين: „تقراو عليه شي بركة“.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)