ما لم يتداول عن صعود الاسلاميين للحكم !

bodiwan

زايــــوبــريــــس/ محمد بالدوان  

 

دقة تشخيص حيثيات الصعود تحدد سيناريوهات المستقبل

 

 

صعد التيار الإسلامي إلى الحكم معلنا بزوغ مرحلة جديدة في حياة العالمين العربي والإسلامي، إذ لم تُتِح له المرحلة القديمة فرصة الصعود، بل كان يشكل صعوده خطا أحمرا يمنع تجاوزه.

 

ويمكن، في هذا الإطار، استحضار النموذج الجزائري المشهور بالانقلاب على المشروعية الديمقراطية في واضحة النهار سنة 1992، أو النموذج التركي مبدع برنامج حل الأحزاب الإسلامية، برنامج اكتشف شفرات صَدِّ فاعليته „أردوغان“ ورفاقه ابتداء من 2002، مستفيدا من انطلاق التوجه التجريبي للإدارة الأمريكية تجاه تركيا بعد تفجيرات 11 شتنبر 2001، ذلك التوجه الذي رسم هدفين مندمجين يتمثل الأول في فسح المجال أمام التيار الإسلامي المعتدل بديلا عن التطرف، والثاني في التحجيم الناعم لإيران الشيعية ببعث جديد لتركيا السنية.

 

لقد أعزت معظم القراءات صعود الإسلاميين للحكم، إلى العامل الذاتي–الداخلي المتمثل في ربيع الشعوب، وظلت تتحاشى الحديث عن العامل الخارجي ! لم هذا التغافل؟

 

من حق كل منا أن يتساءل: ألم تكن الشروط الذاتية- الداخلية قائمة منذ زمن طويل؟  كانت قائمة بالتأكيد، بل اندلعت ثورات قوية في الشوارع ولم يُكتب لها النجاح، و“ثورات“ عارمة في الصناديق ولم يلتفت لها بالاحترام والتمكين(الجزائر). 

 

ما الذي تغير اليوم؟ أجزم أن ثمة تحول ببيت صناع القرار الدولي، كيف بدأ يتبلور؟ وما مؤشراته وتوجهاته؟

 

 

تحولات السياسة الأمريكية

 

 

سأنطلق من الأسئلة أعلاه لأعرب، من البداية، بأن بيت الإدارة الديمقراطية في و.م.أ. يحتضن سياسة جديدة. ويبدو لي أن أولى الخطوات العملية لتنزيل هذه السياسة  بدأت بتسريب وثائق حساسة لموقع „ويكيل يكس“ (لم يعاقب صاحب هذا الموقع لحدود اللحظة) ، واتفق غير قليل من المتتبعين والباحثين على أنها لم تضر بالأمن القومي للو.م.أ.، في حين يرى فيها آخرون إدانة لاختيارات الحزب الجمهوري السياسية.

 

أواصل بالسؤال الآتي: لماذا استهدفت الإدارة الديمقراطية للو.م.أ. الأنظمة العربية العتيدة بالتشهير عبر وثائق „ويكيل يكس“؟ لسبب واضح هو أن هذه الأنظمة صارت عبئا ينوء منه كاهل الإدارة ماديا ومعنويا، يُضاعِف ثقل تركة وبال خلفتها الإدارة الجمهورية، والمتمثلة في غزو أفغانستان والعراق، وفضيحتي سجن أبو غريب ومعتقل غوانتانامو.

 

من جانب آخر، ظلت إدارة „أوباما“ تواجه صعوبة في تنزيل أيسر قراراتها داخليا، ويتذكر الكل معركة „أوباما“ ،خلال ولايته الأولى، لإقرار نظام صحي اجتماعي(صوت عليه الكونغرس بالقبول بتاريخ 20/03/2010)، ويبدو أنه لم يستطع إرساءه إلا بعد أداء فاتورته بتصريحات واضحة، لا تقبل التأويل، تؤكد التزامه بحفظ أمن إسرائيل (إذ قال في اجتماع حاشد في فلوريدا أواخر يناير2010 أنه ملتزم بدعم أمن إسرائيل، لكنه متعاطف أيضا مع الفلسطينيين في محنتهم. وأحسب أن ذلك كان أول تصريح لـ“أوباما“ بخصوص أمن إسرائيل منذ اعتلائه الولاية الأولى في نونبر 2008). وفي هذا الإطار وأثناء زيارة أوباما لإسرائيل خلال ولايته الثانية أواخر مارس 2013، ستستنتج بعض النخب الإسرائيلية، من تعبيراته، أن أمن إسرائيل القومي، لأول مرة، لم يعد بيدها مائة بالمائة. ومن المؤشرات القوية الدالة على سعي أوباما لإحداث توازن ما في الموضوع، قرار الجمعية العامة  للأمم المتحدة القاضي بمنح فلسطين صفة „دولة مراقب غير عضو“ داخل منظمة الأمم المتحدة الصادر أواخر نونبر 2012.  

 

كما لم يوفق „أوباما“ في إقناع الجمهوريين لإرساء ضريبة جديدة تفرض على الأغنياء لمواجهة الأزمة المالية (دجنبر 2011) ، بالرغم من خروج الجماهير لتأييده عقب الخطاب الذي دعا فيه لفرض هذه الضريبة.

 

إن صعوبة اتخاذ القرار داخليا، وإزاء قضايا سهلة، أشعر الديمقراطيين بأنهم الطارئ، وبأن الجمهوريين هم الأصل الدائم، وبأنهم لا يملكون الحل والعقد أمام لوبي صهيوني قوي، هو الوحيد الذي يملك حق وضع خرائط الطرق. فبادروا بالهروب إلى الأمام للحفاظ على خصوصيتهم، ولضمان استقلال تام في صناعة قرارهم السياسي. ومن هذا المنطلق سيعمدون إلى اللعب بأوراق جديدة „خارجية“ عساها تحجم تغول اللوبي الصهيوني داخل و.م.أ.

 

إن سعي الو.م.أ لإحداث نوع من التوازن الدولي هو وحده الكفيل بضمان وجود مميز للإدارة الديمقراطية، إن لم أقل وحده الكفيل بإبقاء الو.م.أ. دولة عظمى في الأفق المنظور.

 

 

المطلوب أنظمة تجابه (إسرائيل)

 

 

لا ريب في أن الأزمة المالية والأزمات السياسية والعسكرية المتتالية، ستدفع الإدارة الديمقراطية إلى التخلي عن الدعم المادي والمعنوي للأنظمة التقليدية الحليفة، وإن بلغ الوضع إلى صعود أنظمة جديدة تظهر العداء لإسرائيل. لأن الأمر يتعلق بالقضية الفلسطينية التي طالما كانت سببا رئيسا يستعدي العرب والمسلمين، ويستنزف رصيدها الديمقراطي، وينتقص من جدارتها لقيادة العالم.

 

أمام هذه المقاربة الجديدة، سيصير من اللازم إزالة الأنظمة التي لا تحسن الضغط على إسرائيل، والتي تنتظر القرار الأمريكي أثناء الطوارئ، الشيء الذي لم يعد ممكنا أمام إدارة ديمقراطية، من أولوياتها الملحة، السعي لتثبيت موطئ قدم!

 

إن الإدارة الأمريكية الحالية تريد وضع شروط قيام أنظمة عربية جديدة تشاكس إسرائيل لتكسب استحقاقين كبيرين: الأول يتصل بتقوية موقعها التفاوضي، من منطلق التحكم التام في أمن إسرائيل، أمام اللوبي الصهيوني داخل الو.م.أ، والثاني يتعلق بمحو العار الذي ظل يلاحقها جراء انحيازها التاريخي للكيان الصهيوني، وما مجاراة الإدارة الأمريكية لخطط إسرائيل في فلسطين، خلال هذه المرحلة، إلا درء لتشويش اللوبي الصهيوني الأمريكي على تنزيل استراتيجيتها الجديدة.

 

„أوباما“ واستراتيجية البوعزيزي

 

 

ويمكن استنتاج ملامح هذه الإستراتيجية من خطاب „أوباما“ يوم 2011/05/02، عقب مقتل „أسامة بلادن“ ، حيث استهل كلمته بالإشارة إلى فشل نموذج „بلادن“، وأعقبها مباشرة إشادة بنموذج „البوعزيزي“ والثورات السياسية السلمية، ملمحا لكل من يروقه نموذج „بلادن“، أو كان يراهن على توظفيه في إستراتيجية ما لقيادة العالم تحت ضغط هاجس الإرهاب، بأن ثمة استراتيجية جديدة شرعت في أجرأتها إدارته الديمقراطية.

 

كان من الضروري التفصيل في إبراز المعطى الخارجي، والمناخ الدولي، المساعد لصعود الإسلاميين إلى الحكم، وقد أغفله القوم إما لكسل في التحليل، أو وفاء للقراءة الجامدة للوضع الدولي، أو ربما بدافع الابتعاد عن شبهة ارتباط الربيع الديمقراطي بأيادي خارجية. لكن على من يتصدر التنوير أن يلتزم الأمانة العلمية مهما كانت الظروف، وأن يعرض الصورة كاملة، لِما يتيح ذلك من تشخيص دقيق للوضع يسمح باستشراف  الأمدين القريب والمتوسط.

 

ولذلك فإن الإقرار باتجاه العالم إلى مزيد من الديمقراطية يجعل من غير المعقول التنبؤ بعزل الإسلاميين عن الحكم، إلا بقرار واضح من صناديق الاقتراع، ولا ريب في أن هذا „الربيع العالمي“ سيواجه عقبات ومنعطفات، لكن ليس بمقدورها إيقاف زحفه. ألم يقل أحدهم تعليقا على قمع ربيع الشعوب الأوروبية خلال القرن التاسع عشر:

 

„دُس ما شئت من الزهور فإنك لن تستطيع أن توقف الربيع“.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)