البرد يحول مكناس إلى مدينة للأشباح.

58

ذ محسن الأكرمين

البرد يسكن جميع اتجاهات مدينة مكناس الأربعة، الكل يشتكي من شدته القارصة… في متاهات دروب أم المدائن المنسية لاحظت السكون وحذر التجول الطوعي الليلي الذي فرضه الطقس البارد المخيم على المدينة … كدت في لحظة من جولتي الليلية أن أصف مدينة مكناس بمدينة الأشباح . استولى مصطلح الشبح على تفكيري بسلطة موضع المدينة ضمن المكونات المدنية و الحضرية للمملكة . لما لفظة مدينة الأشباح قفز إلى ورقة كتاباتي دون استئذان ؟ .

ركنت سيارتي عند بوابة أقرب مقهى بحي الزيتون . و الذي بات يحمل إسما بدون مسمى .لحظة رأيت قلة من الشباب منهمكين في متابعة لمباراة لكرة القدم داخل المقهى . دخان السجائر الرخيصة يخنق المكان ويمنح الجالسين تدخينا مجانيا معالجا بنكهة حشيش خفيف .انزويت في ركن يمنحني جلوسا أدير فيه ظهري للتلفاز. وبعد أن حلت النادلة ذات الشعر الأشهب بالتلوين الاصطناعي ،ابتسمت بملامحها البدوية الطفولية وكأنها تسائلني عن سبب انزوائي بالركن الغائب بالمقهى،وسبب رفضي مشاهدة المباراة …لم أباليها نفس التفكير . بل أثرت الاختصار وطلبت منها أن تحضر لي ماء معدنيا . علامات الاستفهام بدأ تتأثث في مخيلتها ، الماء / البرد… يا له من زبون ليلي غامض ؟ . وحي تفكيرها خبرته بالمعاينة الحدسية …لكني حولت مقود تفكيري إلى همي المعيش „مدينة مكناس ،مدينة الأشباح „… صوت صياح عال دوى في المقهى فرحا ، تكهنت من خلاله أن هدفا سجل في أحد المرميين … موضة حب الفرق الغربية/الاسبانية همش من حظوظ حب الفرق المغربية والفريق الوطني الأول ، والذي نزلت عليه عقوبات الكاف (C A F) بالعطالة إلى ما بعد 2019 . إنه التحول لجيل الشباب المغربي الحديث نحو عولمة العواطف الكروية والحب بتيمة المرجعية الكونية الانفتاحية . رجوع النادلة إلى طاولتي بماء معدني بارد بدون ثلاجة أرجعني عنوة إلى البرودة الباردة لأهل مكناس والمدينة الشبح.

مكناس مدينة الأشباح ، فالإخبار بموضع المدينة بمحمول “ الأشباح “ بالإضافة التركيبية اللغوية ، ما هو إلا إقرار منا جميعا باختفاء المدينة الجميلة من دواخلنا الفردية والجماعية . المدينة التي كانت بسلطة العاصمة الإسماعيلية، وأصبحت الأسوار المتعددة المناحي تحاصرها كرها ، وتجعلها تدير وجهها للتطور الحضاري.

 المدينة التي نستوثق من حضورها البارز في الماضي باللونين الأبيض والأسود لصورها القديمة ، والكتابات التاريخية والأدبية في رفوف مكتبة الجامع الكبير برائحة الرطوبة والتهالك . انه التصور التشخيصي المركون في غرفة الإنعاش لمدينة مكناس .

لحظة قطع تفكيري أحد الشباب سائلا إياي عن إسمي الفريقين للمقابلة المنقولة عبر الشاشة ؟ حملت رأسي إليه بالنظر المجانب له بقوس انزوائي بالجلوس ، ثم أسررت له علانية أن هناك  فريقين يلعبان كرة القدم ، ابتسم وعرف قصدي من أنني لا أبالي من أمر المقابلة ، وانسحب معلنا تتبع المقابلة حتى ولم يعرف ما هي الفرق „الغربية “ التي تتبارى بينها … لكن الحكم في تلك اللحظة أعلن نهاية المقابلة ،وتم إفراغ كراسي جماهير كرة المقاهي …

تناولت شربة ماء من القنينة مباشرة وازدادت شدة البرد على جسمي ، ثم استولى على تفكيري الوضعية الكارثية لحال المدينة المنسية وطنيا ،حتى بعد مقولة الدعاية الانتخابية “ مكناس حان دورك الآن “ . شوارع غير مهيكلة وتعيش النسيان … بينما استطاع مطر الخير المتساقط  على المدينة من تعرية واقع الطرق، فمن حفرة إلى حفرة والأمر مشهود بالمداومة عليه من طرف مستعملي الطريق بأحياء الزيتون /تولال/ قرطبة /مرجان /المنصور …إنها المدينة التي اختفى عنها مجلسها الجماعي وانشغل بخلافاته الداخلية وتصفية الحسابات الكيدية ،وسوف نبث وصلة للبحث عنه في برنامج مختفون … عيون مياه تفور من مجاري تصريف المياه المستعملة – والتي فضل وجودها من عهد الاستعمار- عند نزول أول نقطة ماء من السماء … هي ذي حال مدينة مكناس في فصل البرد والأمطار ، ولما لا نقول في كل فصول السنة…

أثار انتباهي جدل خصامي أمام المقهى بين سائق سيارة ومواطن من المارة … وحين تتبعت البوليمك Polemique/التصادم عن بعد عرفت أن كلا الطرفين له الحق …ضحكت داخليا من حكم القيمة السريع الذي أنزلته ،لكنه تأكد عندي بالبرهان  العقلي والمستندات القانونية العلنية . فإذا لم تكن المقاهي قد احتلت الممرات العامة „الملك العمومي “ لما ترجل الشاب في قارعة الطريق ، ولما حدثت الواقعة بأساسها. إذا المشكلة هي احتلال الملك العام بدون رقيب ، ولا سلطة ولائية لردع التسيب المتزايد .ولكم في حي سكناكم أكثر من نموذج . فكم من ممر احتلته كراسي المقاهي ؟ وكم من حديقة عمومية -„نسميها كناية بالحديقة رغم أنها لا تحمل من الحديقة إلا الاسم “ – تم استغلالها من قبل المقاهي /البائعين المتجولين / المقاولين …. هو هذا الوضع المكناسي الحامي بالتسيب .

أخبار القتل الجماعي تنال علامة „جيم /j aime “  بالمشاهدة في المواقع الاجتماعية . فيما الأخبار الفنية والثقافية المحلية يتم تجاوزها وإغفالها بالتناسي . إنه التحول الاجتماعي بمدينة مكناس التي ألف المواطن فيها قضايا القتل „والطحن وتقطيع الرؤوس“ والسرقة و التشرميل العلني بالفوضى …

وقفت النادلة بابتسامة عريضة تريد أداء ثمن المشروب ، فهمت غايتها وناولتها حصة المشروب وحصتها المعتادة من الإكرامية … انصرفت وهي تنزع بذلة العمل ،فهمت من الحركة أن المقهى ستقفل أبوابها باكرا بسبب البرد وعملية حضر التجول الذي فرضته سلطة البرد أو الانفلات الأمني /السرقة… فإلي متى ستظل مكناس هكذا ، فهل من يد كريمة تسحب المدينة المنسية إلى الإعلاء من سهم مساهماتها الوطنية ؟.

ذ محسن الأكرمين : mohsineelak@gmail.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)